السعيد شنوقة
179
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
قالته المجبرة في نسبة أفعال العباد إلى الله تعالى لأن كل تصرفاتنا محتاجة إلينا ومتعلقة بنا لحدوثها « 1 » ، فالإنسان حسب جهم بن صفوان القائل بالجبر غير قادر على شيء ، ولا يوصف بالاستطاعة ، مجبور في أفعاله ولا إرادة له ولا اختيار ، وإنما يخلق الله عز وجل الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات ، وتنسب الأفعال إليه مجازا مثل نسبتها إلى الجمادات ، وذلك كقولنا : أثمرت الشجرة وتحرك الحجر واهتزت الأرض . ولما كانت الأفعال كلها جبرا فإن الثواب والعقاب جبر ، وإذ ثبت الجبر فالتكليف جبر « 2 » . لقد هدف نفي القدر عند المعتزلة إلى تثبيت أن الله تعالى عدل حليم ولهذا قال القاضي عبد الجبار : « المراد به أنه لا يفعل القبيح أو لا يختاره ولا يخلّ بما هو واجب عليه وأن أفعاله كلها حسنة » « 3 » بمعنى أن كل أفعال الله عز وجل حسنة ولا يكون منها إلا الصواب والحكمة ناهيك أنها منزهة عن كل قبيح لأنه عالم بقبح القبيح ومستغن عنه وعالم باستغنائه عنه ، لهذا لا يختار القبح بأي وجه من الوجوه « 4 » . فالعدل ما يقتضيه العقل من الحكمة بإصدار الفعل على وجه من الصواب والمصلحة ، لقد أراد المعتزلة نفي الظلم وأفعال الشر عن الله تعالى وإثباتها فعلا للإنسان ، وهذا يمثل الوجه الغيبي للعدل الإلهي ، غير أنه يمثل وجها آخر إنسانيا
--> - الخلق خالقون لأفعالهم معتمدين على قوله عز وجل : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [ التكوير : 28 ] ، وأما أهل الحق فتوسطوا قائلين : نحن نفرق بين ما اضطررنا إليه وبين ما اخترناه . وهو طريق بين طريقي الإفراط والتفريط ، ويسمى بعض العلماء هذه المنزلة بين المنزلتين كسبا أخذا عن قوله سبحانه : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [ البقرة : 286 ] . لهذا فاكتسابات العباد خلق الله تعالى دون العباد وكسب للعباد دون الله عز وجل لأنه لا يتصور الكسب في الله تعالى لتعلقه بالقدرة الحادثة ، ولا يتصور الخلق في العباد لعدم علمهم بتفاصيل ما يصدر عنهم ، ولقيام الدليل على أن لا خالق إلا الله تعالى : حز الغلاصم ، ج 3 ، ص 88 . ( 1 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص ، 54 والبغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص 211 - 212 ، وكذا محمد عبد الرؤوف المناوي ( ت 1031 ه ) ، التوقيف على مهمات التعاريف ، ص ، 261 وكذا شرح قصيدة الإمام بن القيم ، ج 1 ، ص 112 . ( 2 ) انظر الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص ، 98 وزهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 100 . ( 3 ) شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 3 . ( 4 ) انظر م ن ، ج 2 ، ص 3 - 4 .